عبد الملك الجويني
447
نهاية المطلب في دراية المذهب
إنسان ، ويغلب أن يقع فيه ، فإذا وقع ، ففي وجوب القصاص خلاف رمزنا إليه فيما تقدم ، وسنعيده في مسائل البئر ، إن شاء الله عز وجل . ومسألة سقوط الصبيّ من طرف الجدار [ أولى ] ( 1 ) من مسألة البئر في المضيق بوجوب القصاص ؛ فإن التردي يقع بفعلٍ من الذي يتخطّى ويقع ، والصبي إذا صيح به ، أخذته هزّة ورعدة تُزيل إمساكه ، فكان هذا أولى بالنسبة ( 2 ) إلى الصائح . وما ذكره الأصحاب في صبي لا يميز ، أو كان ضعيف التمييز ، بحيث يبعد منه أن يتماسك ، فلو كان مراهقاً ، فهو في معنى الكبير ، والكبير إذا كانت تعتريه الوساوس ، وكان مرعوباً بحركة أدنى شيء [ قد ] ( 3 ) يكون في معنى الصبي . [ وانقضى ] ( 4 ) ما علينا في ضبط الأصول وردّ الوقائع إليها . ولا ينبغي أن يعتقد الناظر أن الصور تفرض على وجه واحد ، بل هي تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال ، والتعويل على ما يقع ، ثم يحكم الفقيه في كل حالة بما يليق بها ، والصوت يلتحق بالضرب الذي يتعلق بالظاهر ، فإن كان مما يقصد به الهلاك غالباً ، فهو موجب للقود . وإن كان لا يغلب الهلاك منه ، ولكن يمكن أن يصار إليه ، فهو شبه عمد ، وإن رجع التردد إلى ظن الناظر ، فهذا يثور منه الخلاف ، وبيانه أن الإنسان إذا كان يقطع بأن وقوع الهلاك ممكنٌ من هذا ، ولم يقطع بأن هذا الواقع وقع بما جرى ، فكون السبب مما يمكن وقوع الهلاك به معلوم ، واتفاق الوقوع مظنون ، فهذا موضع القطع ، وإن وقع الفكر في أن هذا يمكن انتساب الهلاك إليه ، فهذا النوع من التردد [ يثمر ] ( 5 ) خلافَ الفقهاء ، وهذا مما يجب إنعام النظر فيه . ولو صاح على صبي ، وهو على الأرض ، فمات ، فقد أجرى بعض الأئمة هذا
--> ( 1 ) في الأصل : " أقل " . ( 2 ) أي أولى أن ينسب السقوط إلى الصائح . ( 3 ) في الأصل : " وقد " . ( 4 ) في الأصل : " واقتضى " . ( 5 ) في الأصل : " يتميز " .